قصة قصيرة
لـ عبد الله الشويلي
أَبْحَرَتْ سُفُنُ النُّورِ، وَعَلَى مَتْنِهَا شَمْسُ الْحَقِيقَةِ وَقَمَرُ الْمَعْرِفَةِ، وَمَعَهُمْ نُجُومُ الْمَوَدَّةِ.
مُهَاجِرَةً شَوَاطِئَ الْأَمَانِ وَمُسْتَقَرَّ الْأَوْطَانِ، إِلَى أَعَالِي بِحَارِ الْعِشْقِ، غَيْرَ مُكْتَرِثَةٍ بِمَخَاطِرِ الْأَمْوَاجِ الْحَاقِدَةِ وَعَوَاصِفِ اللُّؤْمِ الْغَادِرَةِ.
مَجْبُورَةً عَلَى تَرْكِ الشَّوَاطِئِ، فَهِيَ لَمْ تَعُدْ صَالِحَةً لِلرُّسُوِّ هُنَاكَ؛ لِأَنَّ شَمْسَهُمْ فِي خَطَرٍ مِنْ قَرَاصِنَةِ الظَّلَامِ وَعَبَدَةِ الْحَرَامِ.
غَيْرَ أَنَّ مَعْشُوقَهَا يُرِيدُهَا إِلَيْهِ، فَسَلَكَتْ هَذِهِ الْمَسَالِكَ الْمُوحِشَةَ؛ لِتَحْفَظَ شَرِيعَةَ الْعِشْقِ لِلْمَعْشُوقِ، وَتُرَتِّلَ آيَاتِ الْوَصْلِ بِهِ.
فَأَبْحَرَتْ حَتَّى انْقَضَى النَّهَارُ، وَشَحَّ نُورُهُ، وَأَظْلَمَتِ السَّمَاءُ، وَجَنَّ اللَّيْلُ عَلَيْهِمْ بِكَآبَتِهِ الْخَانِقَةِ، وَدُجَاهُ الْمُولِعِ بِنَارِ الْغُرْبَةِ وَالْوَحْدَةِ.
حَنَّتِ الْقُلُوبُ إِلَى الدِّيَارِ، وَاشْتَاقُوا إِلَى تِلْكَ الزَّهْرَةِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي تَرَكُوهَا عِنْدَ الشَّاطِئِ، تَلُوحُ بِأَوْرَاقِهَا وَتَتَّكِئُ عَلَى غُصْنِهَا الرَّيَّانِ الْمُتْعَبِ.
فَهِيَ آخِرُ مَا جَادَتْ بِهِ الشَّمْسُ عَلَى الشَّاطِئِ..
بَيْضَاءُ صَّغِيرَةُ، يُرَى فِيهَا أَوْرَاقٌ حَانِيَةٌ كَحُنُوِّ ضُلُوعٍ تَكَسَّرَتْ لِزَهْرَةٍ كَبِيرَةٍ سَبَقَتْهَا فِي الزَّمَانِ، وَشَابَهَتْهَا فِي الِاسْمِ وَالْعُنْوَانِ.
كَانَتْ تَدُورُ مَعَ الشَّمْسِ، وَحَيْثُمَا ذَهَبَتْ وَاتَّجَهَتْ، لَبِسَتْ ثَوْبَ الْوَحْدَةِ وَتَنَفَّسَتِ الْغُرْبَةَ.
فَهِيَ مَقْطُوعَةٌ عَنْ مَصْدَرِهَا، بَعِيدَةٌ عَنْ نُورِهَا، أَضْنَاهَا التَّعَبُ، فَنَحُلَتْ وَانْحَنَتْ، تَسَاقَطَتْ أَوْرَاقُهَا عَلَى شَاطِئِ الْوَجَعِ، وَاخْضَرَّتْ حِكَايَا رَكْبٍ سَافَرَ إِلَى الْمَوْتِ لِيَحْيَا فِي كَرْبَلَاءَ.






